U3F1ZWV6ZTQwMTExODUzOTU3MDM5X0ZyZWUyNTMwNjAyNTk4MjY3NQ==

تلاميذ الباكلوريا... حين رسم لهم الأستاذ قضيبا على السبورة!

 



بقلم: مصطفى بوكرن


1- هل يعرف المغاربة ما يجري داخل الأقسام؟



تابعت تفاعل مستهلكي فيديوهات تلاميذ الباكلوريا، الذين يعلقون على أسئلة الامتحان الجهوي والوطني. وقرأت العديد من التعليقات، التي تبدي اندهاشها، وتلعن واقعنا المعيش، وتتنبأ بمستقبل مغربي كارثي، مع هذا الجيل العبثي، والساخر من كل شيء.


أظن أن المغاربة، لا يعرفون حقيقة ما يجري داخل الأقسام في الثانويات، وكل ما يتابعونه هذه الآيام مجرد مشاهد قصيرة لأفلام أبطالها تلاميذ الباكلوريا، كانوا يشاركون في تمثيلها طيلة الموسم الدراسي، كان من نتائجها: أن فقد الأستاذ عقله، وهو يتابع هذه الأفلام، ولا أحد يعرف الوضعية النفسية والعقلية، التي يعيشها الأستاذ الآن، بعد مشاهدته لأفلام التلاميذ، بمختلف موضوعاتها: الرعب، الحركة، الرومانسية، الدراما، الكوميديا..

2- أستاذة يعانون.. وأستاذ وجد الحل!



إذا كان مستهلكو فيديوهات تلاميذ الباكلوريا هذه الأيام، يعبرون عن استغرابهم واندهاشهم وسخطهم، من لقطات قصيرة، فكيف سيكون حالهم، لو كانوا متفرجين مثل الأستاذ؟ ربما، قد يبحثون عن حبل، ويشنقون أنفسهم تحت ظل شجرة.


هذه الانفعالات، واللعنات، والاستفزازات..، أصبحت روتينا يوميا عند الأستاذ. منهم من أصيب بالانهيار النفسي، ولجأ الأدوية، ومنهم من يقاوم ويعاني، يفشل تارة، وينجح تارة أخرى. وهناك، من فهم حقيقة الوضع، وساير المراهقين بلغتهم، وصاحبهم، ليدرسهم، فكسب مودتهم، وانتهت السنة الدراسية بالكثير من الحب والمعرفة.


وهناك، من فهم حقيقة الوضع، وساير المراهقين بلغتهم، وصاحبهم، ليدرسهم، فكسب مودتهم، وانتهت السنة الدراسية بالكثير من الحب والمعرفة.


وهذا النوع الأخير، كالكبريت الأحمر، عركته الحياة والمعاناة، وتمرس في شعاب الفقر، وعاش المراهقة بمختلف تجلياتها، وفهم كيف يتعامل مع المراهق بلغته، فتمكن من قلبه، وقاده كما يحلو له.


3- الأستاذ الذي وجد الحل



حكى لي أستاذ صديق، ذات يوم في جلسة بوح، روى لي حكايات متعددة، جعلتني أفهم عمق شخصيته، وأبعادها وتجلياتها. لم أر في حياتي أستاذا مثله: كتلة من المشاعر الدافئة، كل من لقيه، يعانقه، أكان أستاذا أم تلميذا. يصادق التلاميذ صداقة غريبة، تغلغل في حياتهم الخاصة. لو حكيت لكم، ما يفعله، لأصبتم بالصدمة. لكن المهم، هو النتيجة: عشق عجيب للتلاميذ، وإن شتمهم وسبهم، لأنهم يدرسهم جيدا، وبحرفية عالية. يعلقون إن بادرهم بشتيمة: إنه أبونا.


حكي لي، أن مفتشه، اتصل به، ليدرس مادته في مؤسسة خاصة، فرفض، قال له: إنك تعرف أسلوبي، وقد أخلق المشاكل للمؤسسة. قال المفتش: ستتصل بك مديرة المؤسسة، وتحكي لك التفاصيل. اتصلت به، وقالت له: جئنا بالأستاذ الأول، فهرب من القسم. وجئنا بالأستاذة الثانية، فهربت من القسم. أملنا فيك أستاذنا الكريم.


يقول الأستاذ: حين اتصلت بي المديرة لم أتردد، قبلت.


جاء موعد الذهاب إلى الحصة الأولى.


قلت لك -قارئي الكريم- في البداية، أن هذا الأستاذ عاش ثقافة الزنقة بكل تفاصيلها ودقائقها، ويعرف لغتها جيدا، وخبير في عقلية المراهقين. وهذه الثقافة، لا تدرس في مراكز تكوين الأساتذة، هذه ثقافة تعاش، ومن استطع أن يستثمرها لتجويد منتوجه التعليمي فهنيئا له، ومن لم يستطع سيعاني، ولو كان عالما وخبيرا في مادته المعرفية، لأنه سيدرس فئة من الناس، من صفاتهم الاساسية الاستهتار والعبث والجرأة، خاصة مع هذا الجيل الهبيل.

قال لي: وقفت أمام السبورة، وأخذت الطبشور، فرسمت شكلا غير مكتمل. رسمت خصيتين ثم بدأت في رسم القضيب، دون أن أصل إلى الحشفة. ما إن رأى التلاميذ والتلميذات، الذين استخرجوا من الأستاذة السابقين الفاشلين في تدريسهم الزيت، حتى انفجروا ضحكا.

ظنوا أن الأستاذ سيرسم جهازا تناسليا، لكنه بدأ في تعديله، فرسم صاروخا.

من هذه اللقطة، فهم التلميذ أنهم أمام أستاذ استثنائي، سيدرسهم، ويعرف جيدا "الخماج" الذي يعيشش في عقولهم، ويمكن أن يستعين به في أية لحظة.


فهم التلميذ أنهم أمام أستاذ استثنائي، سيدرسهم، ويعرف جيدا "الخماج" الذي يعيشش في عقولهم


قال لي الأستاذ: ذهبت في الحصة الأولى، بصندلة بلاستيكية. لكي أحطم كل التمثلات التي عند التلاميذ، وأريهم، أنني أستاذ استثنائي حقا.

قال لي: تحدثت عشر دقائق، بالدارجة، بلغة المراهقين العارية، التي لا حجاب فيها. فهموا أنني لست أستاذا، بل أنا أمارس دور الأب، مهما فعلوا معه من حماقاتهم، فهو قد جرب حماقات لم تخطر على بالهم في حياته.


مرت الحصة رائعة، في هدوء تام. أنهيت الدرس، وقال لهم: أكتبوا رقم هاتفي عندكم. الآن أنهيت الحصة، رأيتموني كما انا، وبهذه الطريقة سأدرسكم، لو راسلني ابن من أبنائي، وقال لي: أستاذ أرجوك، لا تأت مرة أخرى. أقسم بالله، لن أعود إليك.

في المساء، يقول الأستاذ: تقاطرت عليه، عشرات الرسائل، تبارك طريقته، وأسلوبه في التدريس. ومن هنا فهمت، أنني نجحت في في غرس نموذج الأسرة في عقولهم، لا نموذج القسم، حيث هناك العلاقة السلطوية بين الأستاذ والتلميذ، بل أنا الأب وأنتم أبنائي، وأنت إخوة.

أصبح الأستاذ رسميا في المؤسسة الخاصة، وشاعت سمعته بين التلاميذ. إذا ذكر اسمه فيقولون معلقين: ذاك الأب الروحي، لأنه مستعد ان يضحي من أجلنا، إذا وقعت مشكلة، لأننا أبناؤه.


غرس نموذج الأسرة في عقولهم، لا نموذج القسم، حيث هناك العلاقة السلطوية بين الأستاذ والتلميذ


كم هو سهل أن يتفاجأ المغاربة وهم يعلقون على "هبال" التلاميذ المراهقين، ويلعنونهم في التعليقات، لكن من الصعب جدا، أن يفكروا في احتضانهم. وإذا أردت أن تصلح، ينبغي أن تكون شخصية استثنائية، تعتمد أساليب خاصة في تواصل مع جيل "ما يحشم ما يرمش"، إذا كسبت قلبه، كسبت كل شيء.


خلاصة:



غالبية الأساتذة يعانون مع هذا الجيل الهبيل، لأنهم لا يحتضنونه بمنطق الأب والأم، باعتبار أن هذا الجيل معطوب تربويا لا تعليميا. وهذا المنطق يرفض في العلن، لكنه مقبول في السر، لتجاوز الكارثة!


يقينا، لا يعرف المجتمع، معاناة الأستاذ داخل الفصل، وكيف يفكر في احتضان جيل هبيل، يجنب المجتمع كوارثه، التي قد تكون مدمرة للمجتمع.

تنبيه: إياك أن تقلد الأستاذ، أبدع أسلوبك المؤثر.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة