بقلم: طه عبد الرحمن
لقد قلّب الفيلسوف والرياضي الفرنسي "بليز باسكال" النظر في رحاب السماء، فأقر بصغارته وجهالته أمام عظمة ما رآه، قائلا:
"إن صمت هذه الفضاءات التي لا تتناهي ليجعل الرعب ينتابني" . هذا يوم أن كان قومه، في القرن السابع عشر، يؤمنون بأن رب هذه السماء أنزل إليهم دينا، وأن هذا الدين وضع الحدود لحياتهم، حفظا لها من المروق، ووضع الأسس لأخلاقهم، حفظا لها من الشرود.
ثم، في القرن الذي يليه، خلف من بعدهم خلف من أهل ملتهم كان فيهم الفيلسوف الألماني "إيمانوئيل كانظ" الذي حذا حذو سابقه؛ فنظر في ملك السماء العظيم، ثم رجع إلى نفسه، ليقول غير قول "باسكال"، إذا قال:
"أمران اثنان يملآن قلبي إعجابا وإجلالا لا يزالان يتجددان ويزدادان بقدر ما يتعلق بهما فكري متأملا لهما، ألا وهما: السماء المزينة بالنجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في نفسي". وذلك يوم أن صار مواطنوه يؤمنون بأن أخلاقهم لا يحدها نازل دينهم، وإنما يحدها راشد عقلهم، متخذين الفصل بين الأخلاق والدين لاحب طريقهم.
وما كاد القرن التاسع عشر يستشرف نهايته، حتى ظهر في هؤلاء القوم من يحمل إليهم خبرا عجيبا عن السماء ليس كمثله خبر، إذ نظر وكرر، ثم فكر وقدر، فقال:
"لكنه (أي الشيء الذي اتخذة إلها) كان ينبغي أن يموت؛ فإنه، بأعينه التي كانت تبصر كل شيء، كان يرى من الإنسان أغواره، (بل) غور أغواره؛ (ويرى) ما خفي من خزيه وقبحه، فلا حياء (يحد) من رحمته، (إذ) يتسلل إلى أنجس خبايا (النفوس)؛ (ولما) كان أكثير من غيره استطلاعا وفضولا ورحمة، كان ينبغي أن يموت؛ فقد ظل ينظر إلي على الدوام، وكنت أريد أن أنتقم من هذا الشاهد أو أن اترك الحياة؛ إن الإله الذي كان يرى كل شيء، حتى الإنسان، كان ينبغي أن يموت؛ لأن الإنسان لا يحتمل أن يبقى مثل هذا الشاهد على قيد الحياة".
وما هذا المخبر بموت الشيء الذي اتخذه إلها وبفراغ السقف الذي اتخذه سماء إلا الفيلسوف الألماني "فريدرك وليام نيتشه" الذي توفي مطلع القرن العشرين، إذ حمل إلى قومه خبر فراغ السماء من الإله بوصفه شاهدا.
مرجع النص: شرود الدهرانية: النقد الائتماني للخروج عن الأخلاق، طه عبد الرحمن، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، الطبعة الأولى، بيروت، 2018، ص:35، 36.

إرسال تعليق