U3F1ZWV6ZTQwMTExODUzOTU3MDM5X0ZyZWUyNTMwNjAyNTk4MjY3NQ==

خريف العصافير...رواية تغوص في أسباب الإرهاب





بقلم: مصطفى بوكرن

 أسكن في الفيسبوك منذ سنة 2009. لأول مرة، يهديني صديق فيسبوكي كتابا. إنه أهداني عصارة جهد إبداعي جميل. إنه أهداني رواية. أن يهديك كاتب روايته، فهو يقول لك: شاركني متعة بناء عالم.


ذات صباح، طرق ساعي البريد باب المنزل، فسلمني مظروفا، قرأت عليه خالد أقلعي تطوان. غمرني شعور لا يوصف. فتحته، أخرجت الرواية، أقرأ العنوان: "خريف العصافير". تصفحت الورقة الأولى، قرات إهداءه الجميل.

نحن نقرأ في الغالب وفق مزاجنا، وإذا ما اقترح علينا شخص قراءة كتاب، نتردد. أما لو كان المُقتَرِح صاحب الكتاب، فإن النفس تصاب بكسل غريب!


أخطر نكبة نفسية، يمكن أن يصاب بها الكاتب، أن يتوسم في شخص حب القراءة، فيطلب منه أن يقرأ كتابه، لكن هذا القارئ، يصله الكتاب، ويضعه في مكتبة النسيان. يظل الكاتب ينتظر رأي قارئه الذي اختاره، لأسابيع، وربما لشهور. ولذلك، لا ينبغي لكاتب أن يخطئ في اختيار شخص ليقرأ روايته، أو مخطوط روايته، وما أكثر القصص الحزينة في هذا السياق.

لا أعرف خالد اقلعي، وحين فتحت روايته، لم أبحث عن اسمه في محرك البحث. اخترت أن اتعرف عليه من خلال نصه. لكن واجهتني بطاقة تعريفية بالكاتب على غلاف الرواية، توضح أن الرجل كاتب محترف في النقد والرواية والقصة والمسرح والسينما، وروايته فازت بجائزة محمد الحمراني بالعراق سنة2013. حاولت أن لا تؤثر علي هذه البطاقة التعريفية، أردت من النص أن يعرفني بإبداع صاحبه.

أعلنت على صفحتي أن الصديق الفيسبوكي خالد أقلعي أهداني روايته، فعلق علي أحدهم قائلا: أظن أن الهدية لن تنتقدها، كما انتقدت الروايات السابقة بشدة.


لست ناقدا، فالنقد له أصوله العلمية. لا أمتلك المؤهلات العلمية للنقد الأدبي. كل ما أقوم به، إبداء رأي في رواية قرأتها بجدية، وبعينين فاحصتين.

أن يخوض الروائي خالد أقلعي الكتاب في موضوعة "الإرهاب"، فهذه مغامرة؛ لأن الرواية العربية تناولت هذه الظاهرة بكثرة. بمعنى آخر، ما الإضافة الإبداعية لخالد في تناوله لهذه الظاهرة؟

قرأت قبل سنتين رواية القاتل الأشقر للروائي المغربي طارق بكاري. وأنا أقرأ رواية خريف العصافير، بدأت أتذكر شخصية القاتل الأشقر الذي جاوره الصحافي اللبناني وليد في كوباني بسوري. اخترق تنظيم داعش، وتعرف على القاتل الأشقر القادم من المغرب، فظل يروي له قصته، التي تفسر سبب انتمائه للإرهابيين والتحاقه بداعش في سوريا، قصة تحكي تربية طفل في ماخور، وأمه عاهرة قاتله.

يقول عبد الفتاح كيليطو: "تبدأ القصص بأم وابن". هذا ليس مبدأ عاما، ولكن هذه ملاحظة تتكرر، باعتبار أن الابن ليفسر ما هو عليه في الحاضر يرجع إلى تربية أمه لا أبيه. وهذا واضح في رواية خريف العصافير، الأم مليكة التي يطلقها الأب الطيب بوشيبة، يذهب بطل القصة جعفر للبحث عن أمه، التي تزوجت بسي علال. وأم جعفر امتهنت الدعارة في ماخور الداهي.

ما إن قرأت هذا في رواية خريف العصافير حتى تذكرت رواية القاتل الأشقر، وتساءلت: هل الراوي يريد إقناع القارئ بحكبة: تفكك الأسرة يدفع الشباب إلى الجريمة، انتقاما من نفسه، ومن الجميع. هذه الحبكة نفسها وردت في رواية القاتل الأشقر، طفل يعيش في أسرة مفككة، أم عاهرة قاتلة، كبر البطل في السن، فاعاد سيرة أمه، للانتقام من نفسه وكل من حوله، فاختار سويا حيث اشتعلت جهنم.

إبداع خالد اقلعي، كسر هذه الحبكة، التي تبدو وكأنها قدرية، وضع اجتماعي بئيس، يؤدي إلى تصرفات انتحارية، من أجل الانتقام. خالد، وصف بدقة المجتمع السفلي في تطوان، انتشار الدعارة، الاستغلال في معامل النسيج، توحش رجل السياسة..، لكنه قدم شخصية جعفر، بطل الرواية، معاكسة لهذا الواقع البئيس، يريد أن يدافع عن مستضعفي معمل عشيبة بأسلوب لا انتهازية فيه، وبشكل مبدئي، وهذا الاختيار، كان سببا في دخوله السجن، لأن رب المعمل اتهمه بالسرقة. وحين دخل إلى السجن، تعرف على التيار الجهادي الدموي، والتقى المفضل، فاستقطبه بعد خروجه من السجن، فالتحقق بالكهف، للانطلاق في العمليات الإرهابية، لكن جعفر يعارض هذا الاختيار الدموي، ويطالب بالسلمية. رفض قائد المجموعة، اختيار جعفر، وتم تجنيده مع المفضل للقيام بعملية انتحارية في فندق، فحمل جعفر حزامه النسف، هو والمفضل. هذا الأخير فجر نفسه، وجعفر تردد، والتقى بحبيبته السابقة فنة في الفندق، كانت تمتهن الدعارة، وهي صديقة أمه في ماخور الداهي.
كسر خالد أقلعي هذا التلازم بين الوضع البئيس والاختيار الانتحاري، بل كأنه يقول من خلال الرواية: ليس بالضرورة، العالم السفلي هو الذي ينتج الإرهاب. وهو بذلك، يدعو إلى البحث عن الأسباب الحقيقية، لظهور الإرهاب.

إن رواية خالد اقلعي تنصف العالم السفلي، وتبين مأساته، وتعتبرة ضحية لجلادين كثر، فكيف يمكن أن يتم تحميل الضحية مسؤولية تفجير العالم؟.

إن رواية خالد اقلعي تنصف العالم السفلي، وتبين مأساته، وتعتبرة ضحية لجلادين كثر

ما إن أنهيت الرواية، وجدت نفسي مضطرا، لأقول: هناك فرق بين القاتل الأشقر، التي يحمل مسؤولية القتل لأمه، وبين جعفر في خريف العصافير، الذي برأ أمه، لأنه لم يقتل أحدا.


في الرواية هناك فرغات تحتاج إلى ملء، لتعزز متانة الحبكة، مثلا: لقاء جعفر بالمفضل في السجن، كيف تم استقطابه في السجن؟ ثم ما سر هذه الحالة بين بين في شخصية جعفر، يحب الحياة وينتمي إلى جماعة إرهابية؟

لا داعي للحديث عن لغة خالد الشاعرية الجميلة، وتقنيات سرده المتميزة، وقد فوجئت بتقنيات سينمائية، في الانتقال من المشهد إلى مشهد، والتي تحتاج ليقظة القارئ, يبدأ المشهد بقوله: ينزلق بصري الحيي...الممتد بين نهديها. ثم ينتقل إلى مشد اخر لا علاقة له بالأول، يتحدث عن حالة جعفر في المستشفى: تنزلق الممرضة على صدري لتعيد أنبوب الإنعاش. كأن المشهدين صورة واحدة: تعامل امرأتين مع جسده، الأولى تريد غوايته، والثاني تريد علاجه.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة