U3F1ZWV6ZTQwMTExODUzOTU3MDM5X0ZyZWUyNTMwNjAyNTk4MjY3NQ==

مناقشة هادئة لإلياس الخرسي "الشيخ سار سابقا"

  



بداية، أوجه كلامي، لمن سينصحني بأن لا أناقش شخصا، ليس في مستواي العلمي. دائما، يظهر هؤلاء، إذا ناقشت شخصا بسيطا. أقول لهم: إن معيار مناقشتي للأفكار، لا علاقة له بالشخص، بل بالتأثير الذي يتركه في الجمهور، ولو كان الشهير المحترم نيبا المراكشي. دوري أن أتتبع كل جمهور، يتحلق حول فكرة، يحتضنها، ويسقيها، لتثمر، فتنضج.


ولذلك، ليس بالضرورة الكلام موجه للمواطن المحترم إلياس الخرسي، بل لجمهوره الكبير، والذي يتلقى أفكاره بالقبول، لأن إلياس رجل دعوة إلى الله، وفاعل خير، والناس تتأثر بكل من يظهر فيه السمت الحسن والعمل الصالح، بغض النظر عن أفكاره التي يروجها.

 

من حق إلياس الخرسي، أن يقول ما يشاء، وليس من حقي أن أمنعه، أو أحرض ضده، بل سأدافع عنه، ليقول ما يريد بكل حرية، ولو كانت أفكار متشددة، لأن القمع والمنع، يدفع إلى السرية، وفي الأقبية، ينتعش التطرف، أما من يخرج علانية ليعبر عن أفكاره، فهذا يستحق الدعم والتشجيع.


ولا يعني، أن ما سأقوله هو الحق المطلق، بل مجرد وجهة نظر قابلة للنقد والنقض، ما يهمني أن نبني حوارا جادا، بين المختلفين والمتناقضين، تحت سقف وطن واحد.

 

ما يهمني في النقاش، هو منهجية التفكير، لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره، فقبل مناقشة الحكم، نناقش التصور اولا.


1- التصور الكلي لاغتيال الصحافية شرين أبوعاقلة

 

تم اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة، فقدت أسرتها أعز الناس، وفقد أحباؤها شخصية متميزة. هؤلاء الذين يحيطون بها، يعيشون ألم الفقد، تحت وطأة الاحتلال، وينتظرون التعزية والمواساة. بمعنى، آخر كل الكلام، سيكون موجها لهؤلاء، الذين بكوها، ويحتاجون للصبر والسلون، لأن موت إنسان، هو حدث عصي عن الإدراك العقلي، فهو يتجاوز عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ولا يشيء يضمد جراح الفقد سوى الدين، فلولا الدين لما تقبل الناس الموت.

 

ولذلك، فالمسألة بالدرجة الأولى، إحاطة أسرتها ومعارفها بكلمات التثبيت والطمأنة، لبيان أن المجتمع متماسك، في الأفراح والأحزان، وليس منقسما أفقيا، يكون سهل الالتهام من قبل عدو متربص. العزاء له أبعاد اجتماعية في الأصل، حيث جماعة، تعمل على إبراز قيمة الوحدة والتآزر والتضامن، بغض النظر عن الاختلاف الديني، لأن هذا الاختلاف لا يناقش ولا يعارض، وكل إنسان له الحرية الكاملة في اختيار ما يريد من العقائد، وهو يعيش لا في السماء، بل في أرض، وهو ضمن جماعة، والجماعة ضمن دولة، والدولة ضمن أمة.

 

هناك فقه يسمى فقه الأولويات، الأولى في التعزية، تحقيق مقصد التضامن والتعاون والتآخي، خاصة والزمن زمن اختلال، لأن إذا لم يتحقق هذا المقصد في الأحزان، فلن يتحقق في غيره، فالموت  جامع، وليس مفرقا.

 

يمكن أن نكون جماعة واحدة غير ممزقة، ولكل واحد داخلها معتقد ديني معين، فاختيار دين ما، ليس جريمة، هذا حق إنساني، وكل فرد يتحمل مسؤوليته في اختياره. وما أكثر تناقضات الإنسان في اختياراته، ستجد في كل مسألة خلافا بين الناس، لأن هذه إرادة الله، ليكتشف ويتعارف الناس مع بعضهم البعض. الاختلاف يحفز على التعارف، لا على الانغلاق. ما هو مجرم في الجماعات الإنسانية، إلحاق الضرر بالآخرين، وتهديد مصلحة الجماعة المشتركة، فتضعف، ثم يذهب ريحها.

2- تفاعل الدين والثقافة المجتمعية

والذي لا يدركه الشباب المتحمس، أن الدين في الممارسة يتحول إلى تدين، ويتأثر بالمعطيات الثقافية. مؤخرا، أجرت مجلة زمان المحترمة، حوار متميزا مع العلامة مصطفى بنحمزة، وراح يشرح هذه العلاقة بين الفقه الإسلامية والثقافة المحلية، حيث يقول: "مما يتجلى فيه وضوح تميز النموذج المغربي، أن المغاربة إذا أخذوا بالمذهب فإنهم ألحقوا به من الأحكام ما دعت إليه الضرورة الاجتماعية، وأعملوا مبدأ العرف الذي له شواهد من القرآن والسنة، واعتبروا الأعراف التي لا تصادم النص الشرعي حجة وبنوا عليها أحكاما ملائمة. ونشأ في المغرب ما عرف بأصل العمل، ويراد به تلك الأحكام التي رجحها العلماء والقضاة تحقيقا لمنفعة متوقعة أو درءا لضرر عام". وأضاف: "أن مالكية المغرب قد اختلفوا عم مالكية المشرق في أكثر من ثلاثمائة مسألة، كما نص عليه من كتبوا العمل، ومنهم عبد الرحمن الفاسي الذي نظم منظومة جمع فيها ثلاثمائة مسألة مما جرى به العمل في فاس، وليس كلها مسلمة لكنها موجودة". وقدم بنحمزة مثالا فريدا، في مراعاة الفقهاء للواقع المركب، حيث قال: "أن فقهاء المذهب المالكي لما رأوا أن بعض الرجال اصبحوا يغيرون على القبائل ويفتكون النساء بقصد الزواج بهن، على الرغم منهن، فإنهم اأفتوا بحِرْمة المرأة على من هرب بها أو اختطفها، هذا على الرغم من أن هذا النوع من النساء لم يحرم بالكتاب والسنة، وعلى هذا فإن المرأة التي يختطفها شخص تحرم عليه حرمة مؤبدة في الفقه المالكي المغربي، ولا تحرم عليه في فقه آخر".




 

ما أهمية هذا النص الطويل، الذي اقتبسته من العدد الأخير لمجلة زمان؟، الأهمية تتجلى في أن الفقهاء، لا يتفاعلون مع النص الديني وهم عن الواقع وتعقيداته لا يبصرون، بل إن الفقيه، يتصور الواقع أولا، لينزل عليه الحكم الشرعي ثانيا، وهذا ما يسمى بتحقيق المناط، لأنهم يتصورون الواقع في شموليتهم، فممكن أن يفتي فقيه آخر، بأن المرأة المختطفة، الزواج بها جائز، لأن نظره منصب على أن الزواج استوفى شروطه وأركانه، ولا ينظر إلى المسألة في شموليتها.

 

بمعنى آخر، أرى الشباب المتدين والمتحمس، أن لهم جرأة كبيرة على الخوض في شؤون الدين، باعتبار أنه يحفظ نصا شرعيا، أو قول فقيه أو داعية، وهذا لا علاقة له بالفقه الإسلامي. اغتيال شيرين أبو عاقلة، لا يتعامل معها بآية أو حديث، المسألة تحتاج لإدراك واقعة معينة في شموليتها، بل في الإطار الأكبر، بلاد تحت احتلال احلالي، وامرأة جندت رسالتها الإعلامية للدفاع عن الأرض. وليس القصد سحب ديانة شيرين عنها، بجعلها مسلمة. المسألة ليست نقاشا في العقيدة، المسألة نقاش في القيم المجتمعية والثقافية ضمن جماعة معينة تجاول احتلالا استعماريا، كيف ينبغي أن يعزي أهلاها الذين يعيشون الفقد الأليم؟.

 

إذن، النقاش ليس عموديا، بل أفقي، فإذا كان الشباب المتدين يحرص على التوحيد عموديا، فإنه ينسى الوحدة أفقيا. فلا دين في مجتمع مشتتا وممزقا، فالوحدة أولا، ثم التوحيد ثانيا.


خلاصة:

ما ينبغي أن يفهمه الشباب المتدين المتحمس، أن هناك تفاعلا بين الدين والجماعة والدولة، وهذا التفاعل يعطينا تجرية إنسانية جماعية للمسلمين، ولذلك، سنجد كل بلد مسلم، يطبع تدينه بالمعطيات الثقافية. فهناك إسلام هندي، وإسلام أمريكي،  وإسلام إفريقي، وقد شرح ذلك بعمق المفكر المسلم جفري لانغ في كتبه الصراع من أجل الإيمان، يتساءل: كيف أنا اسمي جفري، وإذا أسلمت أسمي نفسي بيوسف؟ الاسم معطى ثقافية، ليس له علاقة بالدين. وهكذا الكثير من القضايا التي يتداخل فيها الدين والثقافة.




 

لكن التشدد، من سلبياته، الكفر بالتاريخ والواقع، ويريد بناء نموذجه في الخيال، فينتج الكوارث، فلا دين في غياب التاريخ والواقع.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة