U3F1ZWV6ZTQwMTExODUzOTU3MDM5X0ZyZWUyNTMwNjAyNTk4MjY3NQ==

حين اتهم بنكيران خيالي...وأصدر توضيحا!






كنت ذات يوم في الرباط، وليس في بالي مطلقا زيارة بنكيران، لأنني لا أظن أنه سيستقبلني بعد كتابة مقالات تنتقده. جاء بي إلى الرباط الباحث محمد الزاوي، للمشاركة في حلقة مسجلة، حول: "النشاط الجنسي للإنسان وعلاقته بالاستعمار الغربي". ينظم هذا اللقاء من قِبل منتدى إحياء للتنمية الأخلاقية والفكرية.

زرته، وكانت الخلاصة العجيبة: " بنكيران رجل من أهل الله وخاصته. أعتقد أنه بينه وبين ربه سر من الأسرار. إنه "رجل شريف"". طبعا، هذا الكلام سيبدو مفاجئا للكثيرين، وسيتساءلون: ماذا وقع حتى أقول في حقه هذا الكلام؟

كنت مترددا في المشاركة في لقاء منتدى إحياء، ولكن في الأخير، قررت الاستيقاظ باكرا، واتجهت إلى محطة القطار دون أن أتناول وجبة الفطور، وكل ما كنت أخفف به توتر بطني قراءة رواية: "السكينة" للروائي الهنغاري أتيلا بارتيش. وصلت إلى محطة الرباط المدينة، والمطر خيط من السماء. ظللت انتظر محمد الزاوي في المحطة، إلى أن وصل.

أخبرني الزاوي أن عبد الصمد بلكبير، سيشارك في الندوة، وطلب منه، أن نلتقي في حي الليمون. سألت الزاوي: ماذا يفعل بلكبير هناك؟ قال: إنه في منزل بنكيران.

اتجهنا إلى منزل بنكيران مشيا على الأقدام. كان الزاوي يتحدث معي، وأنا شارد أتخيل مشهدا دراميا حزينا.

تخيلت أنني عندما أدخل إلى منزل بنكيران، سيبادرني بالقول: اسي مصطفى راك غير كتركع، حرام أن تسوي بيني وبين تلك الشخصيات في مقال: "ولد الكرية قدس الله سره"؟

تخيلت هذه القنبلة النارية، يرميها بنكيران علي، عندما أجلس لتناول الشاي وكعب الغزال، فاتوقف عن الأكل، وأشعر: "بالحكرة"، كما لو أنه سيقول لي: "كول كعب غزال ولكن غير كتركع".

تخيلت نفسي، أنني لست أجيرا عند بنكيران، فطلبت منه المزيد من الإيضاح، لكنه كان يرفض، ويطلب مني بلكبير أن أواصل أكل كعب غزال.

تخيلت نفسي، أنني لم أستسلم لهذه اللعبة التي يتقنها بنكيران، فطالبت منه المزيد من الإيضاح، والمناقشة.

تخيلت بنكيران غاضب غضبا شديدا، وقال: ما هذه الحقارة؟

تخيلت نفسي متوترا، ولم أستطع طي الموضوع، لأن لا مصالح بيني وبينه، كل ما بيني وبينه، أنه قارئ رائع لما أكتب.

تخيلت نفسي معاندا، ورفضت طي الموضوع، فوجدت نفسي مطرودا من منزله، مع الزاوي وبلكبير.

تخيلت، أنا الذي كتبت العشرات من المقالات تمدح بنكيران، سيغضبه مقال يتيم.

تخيلت هذا المشهد الكئيب، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم. لأنني أعرف أن بنكيران رجل متسامح، فقد شتمه شباط بالجاسوس والداعشي، وسامحه، بعد موقفه بعد 7 أكتوبر 2016، وقد شتمه حسن اوريد ووصفه بالطيابة في الحمام، بعد الخميس الأسود، حين سلخت الشرطة أساتذة الغد بأكادير، رأيت بنكيران يسلم على أوريد في عرس هاجر...تذكرت الكثير الكثير...وأنا لست خصما له ولا عدوا لها. كل ما في الأمر أملك الشجاعة لأمدحه وقت المدح، وأملك الشجاعة نفسها لأنتقده وقد النقد.

ترددت في الدخول إلى منزل بنكيران، خفت أن يسلقني بلسانه. ولكن تذكرت كل ما كتبته حوله، وتذكرت نيتي مع الله حين أكتب عنه. فتفضلت للجلوس في الغرفة المشهورة.

كانت المفاجأة الصادمة، استقبلني بنكيران بالأحضان، فقبلت رأسه، ورحب بي ترحيبا منقطع النظير، وقدم لي كل ما لذ وطاب، وهنا تناولت وجبة فطور شهية، لن أنساها أبدا.

كنت أردد في نفسي: الحمد لله، يا رب، الحمد لله، يارب. سألني عن عملي، وعن أسرتي، وعن مقالاتي، وقدمني لعبد الصمد بلكبير، لأنني أول مرة ألتقي به.

كان اللقاء دافئا ورائعا. فجأة، طلب مني بنكيران، أن يخلتي بي في الصالون. فرحت فرحا كبيرا.
نظر في وجهي هنيهة ثم قال:
- سامحني لو قدمت لك هذه النصيحة؟
شعرت بالخجل، وقدرت موقفه النبيل، ينصحني على انفراد، لأنه يريد لي الخير.
قال بهدوء وخشوع:
- قال تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا".
بصراحة، شعرت بزلزال وجداني وهو يقرأها، ثم قال:
- نجاحك في الكتابة يرتبط بدقة المعلومات التي تكتب. سامحني لو قلت لك، إنك كذبت علي كثيرا في موضوع السبعة ملايين، ولا تعرف الكثير من المعطيات.

ظل يحكي ويشرح لي تفاصيل الموضوع، حتى كدت أبكي. اعتذرت له، وقبلت رأسه، وطلبت منه أن يسامحني، لأنني اكتشفت أن بنكيران يعيش وضعا غير عادي، وهذه أهم لحظة في حياته، يحتاج فيها إلى دعم كبير.

بنكيران لم يصبح ملكا لنفسه، أصبح ملكا لدولة. دون أن أدخل في التفاصيل...

وليخفف من حزني شجعني. فكبرت قيمته لدي. ما فعله معي، لا يفعله إلا أولياء الله الصالحين. تنتقده بشدة، ولا يرفض استقبالك، ويرحبك، ثم يكرمك كرما حاتميا، ثم ينصحك نصيحة أب لابنه. هذا رجل ليس من هذا العالم البئيس. كل ما تخيلته في طريقي، كان وسواسا شيطانيا. في كثير من الأحيان، نسلم زمامنا للشيطان، ونتركه يفعل بنا ما يشاء، بسبب سوء الظن.

لم أستطع أن أعبر له عن مشاعري عند مغادرتي لمنزله. أعرف أن الكثير اتصالوا بي وعبروا عن غضبهم بطريقة سوقية، حين انتقدتهم. لكن هذا الرجل العظيم، أشهد الله، وأشهد العالم أنني أحبه في الله، لا أريد منه شيئا. كل ما أريد منه أن يظل قارئا لمقالتي. لا أريد منه، أن يدفع بي في اللوائح الانتخابية..ولا ولا ...فأنا لست عضوا في حزبه، ولا علاقة لي به.

غادرنا منزله، ففاجأني عبد الصمد بلكبير بقوله:
- بنكيران فاق بنبركة وعلال الفاسي، إنه رجل عظيم، وإنه زعيم من دون إرادته.

ذهبنا عند الشيخ حماد القباج، فاستقبلنا بغداء لذيذ، وابتسامة مبهجة. وكان اسم بنكيران حاضرا بيننا في وجبة الغداء، وكنا نردد: إنه فخر للمغرب والمغاربة.

اجتمعنا في اللقاء الفكري، وظهر اسم بنكيران مرة أخرى، على لساني ولساني عبد المصد بلكبير.

لا أريد من القراء، الذين يكرهون بنكيران، أن يحبوه. ليواصلوا كرههم له. ولكن كل ما أردته من خلال هذه المقالة، أن أشركهم تجربة ذاتية وقعت ذات اليوم في مدينة الرباط.

عندما زرت بنكيران، أول مرة كتبت رواية، وهي مرقونة، تحتاج للوقت المناسب لنشرها، وعندما زرته المرة الثانية كتبت مقالة عن بنته من ذوي الاحتياجات الخاصة، وها أنا أزوره وأكتب هذه المقاله ويستحق أكثر من ذلك. وأحلم بذلك اليوم الذي أنشر فيه كل ما كتبته عنه.

هذه القصة وقعت في دجنبر 2019، هذا توضيحه.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة