بقلم: مصطفى بوكرن
تخيل نفسك، أنك نطفة في رحم أمك. ها أنت تكبر، إلى أن بلغت زمن الخروج إلى تحمل الأمانة.
1- معايير النجاح عند المؤسسة الأسرية.
دعني أخبرك، أنك في تلك المدة الجنينية، التي تتذكرها عبارة عن ظلام دامس. كانت المؤسسة الأسرية، قد حددت لك معنى أن تكون ناجحا:
- أن تكون مقبلا على المدرسة، ولا تتغيب عنها ولا ليوم واحد.
- أن تكون مجدا في حفظ دروسك، ومواظبا على إنجاز التمرين.
- أن تكون على هذا المنوال لمدة تقارب العشرين سنة، فتحصل على نقط متميزة، تؤهلك لاجتياز مباراة، فتنجح، وتصبح موظفا، أو صاحب مورد مالي مستقر، يعود بالنفع على الأبوين.
وأنت في مرحلتك الجنينية، أسرتك لها نموذج، تلزمك به، لتسير عليه لسنوات، لتكون ناجحا، وإلا فأنت فاشل، بحسب أسرتك لو اخترت خيارا آخر.
2- معايير النجاح عند المؤسسة المدرسية.
حين كنت في ظلامك الدامس، كانت مؤسسة المدرسية، قد وضعت لائحة تقييم تحدد نجاحك وفشلك، أن تكون هكذا:
- تقضي زهرة عمرك، تستيقظ صباحا وتعود مساء، تمر سحابة يومك في المدرسة.
- أن تجلس أمام الأستاذ لساعات وأنت تسمع، وتكتب، وتجيب.
- أن تجلس منضبطا.
- أن تكون مطيعا.
- ان تقتل خيالك.
- أن تميت رغباتك.
وأنت في مرحلتك الجنينية، المؤسسة المدرسية، قد أعدت لك نظاما عليك أن تسير عليه، وإن خرجت عنه، فأنت فاشل، لأنك تريد أن تخرجك مواطنا صالحا يعرف الكتابة والقراءة والحساب، وأن تكون صاحب شهادة لتكون عاملا في سوق الوظيفة العمومية.
3- معايير النجاح عند المؤسسة الدينية.
حين كنت في ظلامك الدامس، كانت المؤسسة الدينية، قد أعدت معايير تقيم بها نجاحك الديني:
- أن تكون مقيما للصلاة.
- أن تكون صائما لرمضان.
- أن تكون محييا لشعائر عيد الفطر وعيد الأضحى.
- أن تواظب على المسجد.
- أن تواظب على صلاة الجمعة.
- أن لا تشرب الخمر.
- أن لا تتعامل بالربا.
وأنت في مرحلتك الجنينية، المؤسسة الدينية، قد أعدت لك نظاما عليك أن تلتزم به، وإن خرجت عليه فأنت مرتد، لأنها تريدك أن تكون مؤمنا، فتدخلك إلى الجنة.
4- معايير النجاح عند مؤسسة الدولة.
حين كنت في ظلامك الدامس، كانت مؤسسة الدولة، قد وضعت لك لوائج لا حصر لها، تقيم بها نجاحك وفشلك، وتريدك أن تكون على وزان محدد:
- أن تكون "داخل سوق رأسك".
- أن تكون مؤديا للضرائب.
- أن تكون مطيعا للأوامر ومجتنبا للنواهي.
- أن تكون كاشفا لمعلوماتك، بتسجيلها في المقاطعة.
- أن تكون راضيا على سياستها في كل المجالات، لكي لا تعطي الفرصة للأعداء.
- أن تكون ملتزما بشهادات معينة، لتنال وظيفة، وإلا ستصبح في عداد المعطلين.
وأنت في مرحلتك الجنينية، لقد حددت لك الدولة معايير أن تكون مواطنا صالحا، لا يثير الفتن، وإن لم تفعل سيكون مصيرك السجن.
5- معايير النجاح عند المجتمع.
حين كنت في ظلامك الدامس، لقد حدد لك المجتمع معايير نجاحك، وهي كالآتي:
- أن تكون لك سيارة.
- أن يكون لك منزل.
- أن تكون متزوجا.
- أن يكون لك أبناء.
- أن يكون لك حساب بنكي منتفخ.
وأنت في مرحلتك الجنينية، لقد حدد لك المجتمع معايير ناجحك، وإلا فأنت فاشل، ولن يلتفت إليك أحد.
وفي الختام..
بعد أن قرأت كل هذه المواصفات التي حددتها لك هذه المؤسسات، ستتساءل مع نفسك: وأين ما أريده أنا لا ما تريده المؤسسات؟
الإجابة عن هذا السؤال، سبب معاناة الإنسان، خرج إلى الوجود، وتم برمجته لغويا على هذه المواصفات، وحين أصبح ناضجا، تساءل: وأين ما أريده أنا؟ لماذا كل هذه المؤسسات تلزمني بمواصفات ما تسميه نجاحا؟
وهنا ستصل إلى الحقيقة الصادمة: لن أكون ناجحا إلا إذا رضخت للقيم المؤسسة، بمعنى أنسى أناي وذاتي، وأفكر في ما تريده المؤسسة، لترضى عني. بعبارة دقيقة: المؤسسة هي التي نجحت ولست أنا، لأن الكثير من كينونتك قتلته.
ولو أردت أن تقارب الموضوع، من منظور الفلسفة الائتمانية كما يؤصل لها فيلسوف الأخلاق طه عبد الرحمن، ستصعق نفسك بهذا السؤال: هل هذه المؤسسات، هي انعكاس لميثاق العهد بين الله والإنسان في ذاكرة الغيب؟ هل حقا تربيك أخلاقيا على العبودية لله؟
في هذه الدائرة، لو أطلت التفكير، ستصاب بقلق فكري طويل المدى. ستتساءل باستمرار: لماذا لا أكون كما أريد أنا لا كما تريد المؤسسة؟
وإذا كنت صاحب منظور تزكوي، ستتساءل: لماذا لا أكون كما أتفقت مع الله، لا كما تريد المؤسسة؟
أظن لو تم إخبارك في الظلام الدامس، بما ينتظرك من سلطوية المؤسسات، لرفضت الخروج إلى الدنيا، ولما قبلت بهذا النجاح.
ولك أن تتخيل حجم القيود في زمن الذكاء الصناعي...
وإن لم تتساءل مطلقا، ستطبق نظرية بيير بورديو في الإنتاج وإعادة الإنتاج: أنت منتوج لمؤسسات سابقة لوجودك، فتعيد نفس قيمها وقواعدها.
وهذه أقوى سلطة تقهر الإنسان تتجاوز سلطة الدولة...
بمعنى أن النجاح مجرد جائزة طفولية، للتحكم في الإنسان ضمن مؤسسات معينة، مستمرة في اغتيال كينونة الإنسان..
ومن شدة القهر في زماننا، تمنى الناس لو كانوا عبيدا، بشرط أجرة شهرية بسيطة، ولم يجدوها!

إرسال تعليق