مصطفى بوكرن
أن يكون صدور رواية حدثا ثقافيا في وسائل التواصل الاجتماعي، فهذا يذكرني بصدور روايات الكاتب المصري أحمد خالد توفيق رحمه الله، الذي كان يحطم الأرقام القياسية في تفاعل القراء معه على الفضاءات الافتراضية. اقتبس القراء التأملات الشاعرية من الرواية، ونشروها في تدويناتهم. تضاعف نشر هذه التأملات، وتصاعد الحديث عن ثورة الأيام الأربعة، فوجدتُ نفسي مضطرا لشراء الرواية، وقراءتها، لأتأكد من تقييمات الإعجاب المبهر. وما شجعني –أيضا- على قراءة الرواية موضوعها التاريخي، الذي يتناول أحداث مولاي بوعزة، التي وقعت في مارس 1973.
1- التمييز بين التاريخ والرواية
حين انطلقتُ في قراءة الرواية، لم أقرأ التقارير الإعلامية حولها، ولم أتابع الخرجات الإعلامية لمؤلفها، لكي لا تؤثر في قراءتي. لكن الذي فعلتُ، رجعتُ إلى مكتبتي، وقرأتُ كتابا توثيقيا بالغ الأهمية، عنوانه: "أبطال بلا مجد" لكتابه المهدي بنونة، وهو ابن محمود بنونة أحد القادة الميدانيين، في هذه الثورة المسلحة الفاشلة، والذي قُتِل في كلميمة يوم 5 مارس 1973. إذا تناولت الرواية قصة تاريخية، أرجع إلى قراءة القصة في المراجع التاريخية، لأميز بين الكتابة التاريخية والإبداع الروائي، فتكون المتعة مضاعفة.
2- السارد زياد السمعلي
لستُ ناقدا أدبيا، لكنني أحب قراءة الروايات، والتفاعل مع قرائها، بإبداء وجهة نظر تحتمل الصواب والخطأ. ومن عاداتي في قراءة الروايات، الكشف عن الهيكل العظمي للرواية، وهو الشخصيات. أتتبع رسم الروائي لها، وأجمع معطيات كل شخصية، لتكتمل صورة الشخصية في ذهني، فأتساءل: هل هذه الشخصية المتخيلة أقنعتني؟. وهذا الذي فعلته مع شخصيات ثورة الأيام الأربعة. لا يهمني ما يسلكه القراء، باقتباس الجُمل التي تتصنَّع الحكمة. ليس مطلوبا من الروائي، أن يُزخرف قصته بالحِكم والمقولات الجارية بين الألسن، وإلا فما الجدوى القارئ عند قراءته الرواية؟ !
أ- التعريف بالسارد
اختار جويطي في روايته ساردا من داخل القصة، فقمتُ بجمع معطياته الآتية: اسمه زياد السمعلي، وُلِد سنة 1941 ببني ملال، درس وعاش الحياة الطلابية في جامعة فاس، أصبح أستاذ مادة الفلسفة، وعُين بثانوية ابن سينا ببني ملال. عشق الموسيقى، وأسَّس فرقة موسيقية بالثانوية. لم يسبق له، أن انتمى إلى فصيل طلابي في الجامعة، ولا إلى حزب سياسي، كل ما كان يفكر فيه حياته الخاصة. غير متدين. يربي سلحفاة يقارب عمرها 120 سنة. أبوه علال حارس في ثانوية الضيعة، أمه رقية ربة بيت، أخوه طارق، نابغة في الرياضيات، أصابه الحمق، جدته امباركة بنت بوعيدة. عمه حمادي قتل سنة 1931. شارك في الثورة المسلحة الفاشلة في مارس 1973، وكان عمره 32 سنة. وجد نفسه ضمن التنظيم السري المسلح، بسبب أغنية غناها في عيد العرش للراحل إبراهيم العلمي، وهي: "يا الناسي العهد"، أغنية عِتاب موجهة لمن خان الحبّ، فاعتقله الأمن وحقق معه، لأنّ الأغنية تتحدث عن الخيانة. وفي التحقيق، استقطبه، قائد الأمن، الذي يتعاون مع التنظيم السري المسلح. وجد زياد نفسه في الجبل، ولا علاقة له بالسلاح، فطَلَب منه، أن يكتب يوميات الثورة، ويقدم شهادته للأجيال المقبلة.
ب- أسئلة في بناء شخصية السارد
أنهيتُ الرواية، وبدأتُ أتساءل: هل شخصية السارد زياد، المشارك في القصة أقنعتني؟. فوجئتُ بخطأ جويطي في عمر زياد، يقول: عمره 30 سنة، وبحسب المعطيات التي يقدمها، فعمره 32 سنة، لأنه ولد بعد عشر سنوات من وفاة عمه حمادي. بدأت ثقتي في الشخصية تتزعزع. بدأت الأسئلة تحاصرني: هل يمكن أن يروي زياد المُحِب للخبز فقط، كما جاء على لسانه في الرواية، والعاشق للموسيقى، والمُغْرم بالسلحفاة سرمد أن يروي قصة كفاح مسلح دون أن يكون مناضلا يساريا له دراية بالإيديولوجية اليسارية في فهمها للواقع؟، صُدمتُ وأنا أقرأ الرواية، فإذا بي أكتشف أن زياد له دراية بتروتسكي، وله تأملات فلسفية في السياسة والثورة، ويتحدث كأنه مناضل ميداني ! شعرتُ أن شخصية زياد كما رسمها جويطي متناقضة. وما أثار استغرابي، كيف يمكن أن يربي مغربي يعيش في أسرة فقيرة في الستينات والسبعينات سلحفاة تجاوز عمرها المائة سنة؟ وهل السلحفاة الأليفة يمكن أن تعيش هذا العمر؟ خفت على عقلي، لأنه يتعرض لهجوم غير منطقي.
ج- شخصية السادر أقل إقناعا
ظللت متشبثا باستكمال قراءة الرواية، لعل الشخصية الرئيسة تقنعني، فإذا بي، أجد نفسي أمام مشهد ينتمي إلى السينما الهندية. فجأة، أصبح زياد محبا للموسيقى، وتعلّمها من دون معلم. وما أكثر المصادفات في رواية جويطي، نتابع القراءة، وفجأة، يُصبح علال فقيها، ويقول: إن تمثيل شخصية محمد بن يوسف لا يجوز شرعا، لأنه ظل الله في الأرض. دون تمهيد لذلك. تم التحقيق أمنيا مع زياد أستاذ الفلسفة، الذي يغني "يا الناسي العهد" لإبراهيم العلمي، لأن الأغنية تتحدث عن الخيانة. ونحن نعلم، أن المطرب إبراهيم العلمي رحمه الله، من أقرب المطربين إلى قلب الحسن الثاني رحمه الله، حيث غنى له، أغنية "ما أحلى إفران" لمدة شهرين، حين كان يبني قصره بإفران. كيف لأغنية مطرب النظام، أن تكون سببا في التحقيق معه؟ ! ومن النادر جدا، أن تجد أستاذ الفلسفة في السبعينات غير يساري، بله أن يكون قد درس في جامعة فاس. يظهر أستاذ الفلسفة زياد، كأنه شخصية غبية، تحب نفسها فقط، تريد العيش بسلام. والمثير للاستغراب، تم اختياره من قبل القائد الأمني الذي يتعاون مع الثوار، ليكتب تاريخ الثورة، وهو لا علاقة له بالعمل النضالي والثوري!
3- أسئلة تحاصر القارئ
تعاقد جويطي مع القارئ، على أن يكون السرد بصيغة المتكلم، وأسند السرد لشخصية زياد، لكن حين ينتظر القارئ نهاية القصة، يتحول السارد إلى رَاوٍّ عليم، فيذهب للحديث عن تاريخ تادلة، وعن الحرب الأهلية اليونانية ! فيتذكر القارئ المسلسلات التركية. أحاول ألا أفقد ثقتي في الرواية، فإذا بي، أجد جميع الشخصيات، تتكلم بلغة حكيمة، بما في ذلك مالكة الماخور تودا نايت حمو، أما قائد الأمن، فيتكلم بلغة فلسفية فريدة من نوعها !
وقع جويطي في خطأ ضبط الأرقام، حيث سوَّى بين عمر التزنيتي والفتينامي، وهذا مستحيل، فالفيتنامي عمره في 1973، سيكون 39 سنة، على الأقل، وهو أكبر من التزنيتي الذي عمره 36 سنة. وقال إن عم زياد وبوزكري اختطافا فرنسيين في الصفحة 153، لكن في الصفحة 304، يقول اختطافا فرنسيا واحدا ! قد يجيبنا جويطي، إن هذه الأخطاء لا يد له فيها، فهي من الأخطاء التي وقع فيها السارد زياد، كاتب الشهادة، لأنه يتحدث من الذاكرة !
وصف جويطي قرية أمازيغية في الجبل، تَشْعرُ كأنك في ذات المكان، لكن ما يثير الاستغراب، أنه وصف الثكنة، ثم وصف الماخور، لكن القارئ، سيتساءل: كيف عرف الأستاذ قائد الكتيبة موعد صلاة المغرب؟ طبعا، سيعرفه بالآذان، ولماذا جويطي يصف جميع الأصوات إلا صوت الآذان في الجبل؟ لماذا وصف الماخور ولم يصف مسجد الجبل؟ هذه الأسئلة، ذات بعد ثقافي، فمؤسسة المسجد أساسية عند المغاربة في المدينة والجبل.
لا أريد أن أقلل من شأن المجهود الجبار، الذي قام به المؤلف، فأن يتناول ثورة مسلحة فاشلة، فهذا عمل إبداعي باذخ، لكن لا يكفي الموضوع المتميز وحده، لتكون الرواية مقنعة، بل إن بناء القصة ينبغي أن يكون منطقيا. وللأسف، هناك أحداث تاريخية، لا يُعرِّف بها المؤلف في الهامش، عكس حسن أوريد في روايته زينة الدنيا، أو أحمد الويزي في روايته الملك يموت مرتين، لا أدري ما السبب؟.
في الختام:
أنهيتُ الرواية، وتذكرتُ تدوينات الإعجاب الفيسبوكية، فاكتشفتُ أن جويطي، ربما تأثر بشخصية زطاورو اليوناني، الذي كان يبيع الدواء في الأسواق، وهو عبارة عن ماء يلونه بالأصفر، يقول عنه: إنه يداوي جميع الأمراض. زطاورو يدافع عن الوهم في شفاء الأمراض. فهل جويطي أوهمنا بقراءة رواية حقيقية، كما أوهم زطاورو تودا بتناول دواء يشفي مرضها؟ !
بعد أن أنهيتُ كتابة هذا المقال، ذهبتُ لمشاهدة حوار مع جويطي، فقال: إن السلحفاة سرمد، هي بطلة القصة، وهذا الجزء الأول فقط !
كدتُ أغرس أظافري في خدي الأيمن، فتساءلتُ: لماذا لم يكتب على الورقة التعريفية للرواية، إنها الجزء الأول؟ !
أروجوك توقف، يكفي أنك خدعتنا في الجزء الأول. كتبتَ رواية لتحدثنا عن فوائد التعلم من السلحفاة ! وهل أغلقت ناسيونال جيوغرافي شاشتها؟ !
وتبقى لغة عبد الكريم جويطي لغة فاتنة، باستعاراتها الثرية...
إرسال تعليق