U3F1ZWV6ZTQwMTExODUzOTU3MDM5X0ZyZWUyNTMwNjAyNTk4MjY3NQ==

كيف أمارس عادتي السرية؟

 





بقلم: مصطفى بوكرن

أراك مندهشا، لأنك تنظر إلي نظرة خاطئة، أنا إنسان بسيط، كل ما تفعله أنت في سرك، أفعله أنا في سري. وما الذي نفعله في سرنا، طبعا أنت تعرف، وأنا أعرف، وكلنا نعرف. السرية تحدد حقيقة حياتنا!

هل يوجد شخص ما، في حياتك يعرف كل أسرارك؟ طبعا يوجد شخص ما يعرف الكثير من أسرارك، لكن لا يوجد إنسان كيفما كانت علاقتك به، يعرف كل أسرارك. لابد أنك تحتفظ بسر ما في داخلك، ولا تبوح به إلى الآخرين. ومن الأسرار من تبوح بها لفرد دون آخر، وهكذا.

لا يوجد شخص يعرف عنك كل شيء، بل إنك لا تعرف أسرار نفسك أيضا!

الذي يصنع ماضيك وحاضرك ومستقبلك هو أسرارك. كل ما تقوله للناس، وتكتبه على الفايسبوك، وتمارسه امام الناس شيء، وأسرارك شيء آخر، أسرارنا تصنع مصائرنا.

الخفي فيك، هو أنت.
الخفي في، هو أنا.
الخفي فينا، هو نحن.

ولذلك، لا نعرف الناس حق المعرفة، إلا إذا بادلناهم أمان حفظ السر، وشرعوا في البوح، بعيدا عن بطائق التعريف، التي تسلمنها من المؤسسات العمومية. حقيقتنا، مخضبة بالضعف، لكن نعرف بأنفسنا أننا أقوياء.

الغريب أننا نرتعد، ونكاد نجن، إذا علمنا أن شخصا اكتشف سرا من أسرارنا، لأن أسررنا ربما عند البعض هي أسرار سلبية جدا، وإذا ما تسربت للآخرين، يسمي ذلك فضيحة، أي أن الصورة التي كان يرسمها لنفسه أمام الناس، غير الصورة التي يعرفها عن نفسه، فيكتشف الناس خداعه لهم.

في التداول الدُّعائي لليومي للمغاربة، أسمع في الصلاة بجوار شخص مسن، يدعو الله هكذا، ستر ستر ستر ستر..أي يطلب الله أن يستره في الدنيا والآخرة، لأنه يرى نفسه ضعيفا، ويطلب من الله أن لا يفضحه أمام العالمين، ويطلب من الله أن يبقي السر بينه وبين عبده الضعيف المذنب.

يعني أن المؤمن يعرف أن السر يطلع عليه عالم الخفايا، الله سبحانه!

هناك أسرارا يومية بسيطة، لا ترتقي إلى عظائم الذنوب، التي تجعل الإنسان مرعوبا وخائفا ويؤنب ضميره باستمرار، منها العادة السرية...

وها أنا الآن سأحكي لكم بالضبط، كيف أمارس عادتي السرية اليومية؟

أشعر بشيء عالق في تجويف أنفي الأيمن، أستنشق الهواء وأستنثره بهدوء، لأزيح ما يحبس الهواء، لكن تفشل المحاولة.

لا أملك مناشف كلينكس، وأكون جالسا أمام مجموعة من الناس، وأراهم للأسف يراقبونني، وسينغصون علي ممارسة عادتي السرية، التي ستمتعني وتزيل علي هذه الغمة، فأشعر بالطمأنينة.
ماذا أفعل؟

أرفع كفي الأيمن أضعه على صدري، وكأنني أشعر برحابة صدر، دون أن الفت الانتباه، ثم أضع كفي على عنقي أدلكه بهدوء، كأن عنقئ يؤلمني، ثم أمرر السبابة على شاربي، وكأنني شخص مهم..
في هذه اللحظة سأنطلق في ممارسة عادتي السرية بهدوء دون أن ألفت الانتباه. أدخل السبابة في التجويف، وألقي القبض على المخاط الذي يبس وتكوم، يشوش علي، أفقدني تركيزي، وأقوم بخطفه بظفري كصنارة، ثم أظل ممسكا به.

في هذه اللحظة، ألتفت يمنة ويسرة، ولا أرى أحدا، يراقبني، فأشعر بمتعة وراحة عظيمتين، ثم ألصق المخاط المتكوم المتيبس بأسفل الكرسي الذي أجلس عليه، فيتخلص ظفري من هذا الخير العظيم، ويتخلص جسدي من فضلاته، وأشعر بالفرحة، دون أن يتفطن إلي أحد، وأنا الدكتور والباحث والمحلل والأكاديمي.. لكنني أنا إنسان.
هذه عادتي السرية أدمنها منذ زمان ولا أجد حرجا في ذلك، وأستغرب النقاش الفقهي في الموضوع، هل يجوز إلصاق المخاط بأسفل الكرسي خفية؟

وهذا سر بيني وبينكم.

هذه العادة السرية، هي التي تبين حقيقة شخصيتي. الأصل أن أقوم من مكاني، وأتجه إلى الحمام، أستنشق الماء ثم أستنثره. لكن أرى، أن ما سأقوم به، يتطلب وقتا، عكس ما لو اقترفت عادتي السرية.


هذه العادة السرية، هي التي تبين حقيقة شخصيتي.


نحن جميعا، نكتشف حقيقتنا، حين نكون لوحدنا في خلوة سرية. في السر تعرفون جميعا ماذا نفعل، قد نحمل مؤخرة فاتنة في هواتفنا، نتفقدها بين الفينة والأخرى بمتعة شديدة، وقد يخترق الشيطان عقولنا، فينسينا، فإذا بنا ننشر هذا النعمة المباركة، على حسابنا الشخصي في الفيسبوك، فيكاد قلبنا يتوقف. ونسرع بحذف الصورة.
البشر يعرفون بعضهم بعضا، فلا تبذل مجهودا لتتظاهر بالطهرانية. أكثر من قول هذه الجملة الدارجة: الله يستر العيب. يعرف البشر أنهم ليسوا ملائكة ولا شياطين. لكن لا بد أن يتذقوا الخطيئة ولو لمرة واحدة في الحياة. من أدرك هذا، كان رحيما بالناس، لأنه ليس ملاكا.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة