سلام الله عليكم، وبعد:
لا أبعث إليكم هذه الرسالة، لحشدكم في وقفة احتجاجية بالعاصمة الرباط، للدفاع عن آخر ما تبقى من كرامة الأستاذ. أبعث إليكم هذه الرسالة، لأذكركم بشيء تعرفونه، لمواجهة النسيان، العدو الذي يريد النيل منكم، بتوريطكم في وضعيات حرجة، قد تتطور إلى ما لا يحمد عقباه. أريد أن أذكركم بالحقائق الصلبة، لواقعكم المعقد، لا من أجل تغييره، بل من أجل أن تتعلموا فن مصارعة الثور الأهوج، دون أن تسقطوا صرعى تحدت أقدامه.
في هذه الرسالة، أريد أن أقنعكم، بوظيفتكم الجديدة، ولا أسلك في هذا الموضوع "أسلوب السخرية"، فأنا أعي ما أقول، وأدافع عن هذه الفكرة، من منطلق التأمل الطويل، والتجربة المريرة. إن أخطر ما يهددكم داخل الفصل، أن تفقدوا توازنكم، ويصدر عنكم تصرف هستيري، تندمون عليه طيلة مساركم المهني. لقد تخلت الغالبية عن وظيفة التربية والتعليم، ولذلك، فإن مظاهر استفزازكم، وإخراجكم عن جادة الصواب النفسي والعقلي، تتكاثر باستمرار، وستجدونها أمامكم بغزارة في كل حصة تعليمية. التحدي الذي يواجهكم ، كيف تستطيعون أن تحافظوا على منسوب الطمأنينة مستقرا في نفوسكم، وأن تغادروا فصلكم الدراسي دون أن تنال منكم سهام الاستفزاز. سترون العشرات من التلاميذ يداعبون هواتفهم، والتحدي أمامكم، كيف تحافظون على عقولكم دون أن تصابوا بالجنون؟ أحذركم من الدخول في معركة الهاتف، فإنكم ستنتصرون على السراب.
لابد أن تمنحوا لوجودكم معنى. فالتدريس بالمواصفات المعروفة، شبه مستحيل -في بعض المناطق- لسبب بسيط: تجدون أنفسكم، أمام "خلوطة" من التلاميذ غير متجانسة. حيث لا وجود للطبقة المتوسطة التي تحقق التوازن داخل الفصل، إما تلميذ أو تلميذان، في مستوى عال جدا، والبقية من صنف، ما أكل الضبع، وعاف السبع. لو درستم بالمعايير المعروفة، ستضحكون على أنفسكم طويلا، لحظة تصحيحكم، لامتحانات هؤلاء العباقرة، وستتساءلون: مع من كنا نتحدث؟ ما أغبانا؟ !
تتجلى صعوبة تدريسكم، أنكم في مسيس الحاجة إلى منسوب عال من الهدوء، للنجاح في تدبير مهام الفصل. أنتم تقومون بوظائف متعددة في نفس اللحظة: تشرحون الفكرة، وتركيزكم على الوقت، وتريدون توجيه سؤال إلى التلميذ الفلاني، وقد تشتت انتباهكم ابتسامة تلميذ، لأن صديقه ضرط، وانتشرت الرائحة الكريهة، فتشتت انتباه الجميع. كان انفجار قنبلة "تحت –تحت" مدويا. عليكم أن تتدربوا، على وضع أعصابكم في القطب الشمالي المتجمد، فمظاهر الاستفزاز، تنتشر كالنار في الهشيم.
في هذا الامتحان، يفشل الكثير منكم. قد تصفون استفزاز تلميذ ما، بوصف يدمر عقولكم. إن السلاح الوحيد الذي تمتلكونه، هو "لغتكم النفسية". يمكن أن يقوم التلميذ بسلوك أرعن ضدكم، ويمكن أن تصفوا سلوكه، بالوصف المناسب، الذي يحافظ على سلامتكم النفسية، لكن في الغالب، تجتهدون بذكاء في تدمير قلوبكم، حيث تصفون هذا السلوك بعبارة دقيقة وجميلة: "حْكْرني". هذه العبارة مثل قنبلة، قابعة في قلوبكم، إن لم تخرجوها، ستنفجر فيكم طال الزمن أو القصر، هناك صوت داخلي فيكم، سيظل يردد: حْكرني، حْكرني. فينتج عنه، مشاعر سلبية، قد تحفز على فعل الانتقام. لكن لو وصفتم ذاك السلوك الأرعن، بأنه عادي، يصدر من طفل صغير لم ينضج بعد، ستتخلصون من الحدث، وقت وقوعه.
يمكن أن يقوم التلميذ بسلوك أرعن ضدكم، ويمكن أن تصفوا سلوكه، بالوصف المناسب، الذي يحافظ على سلامتكم النفسية
إنكم إذا أردتم أن تقللوا من الخسائر، عليكم أن تسموا أنفسكم بفاعلي خير، والتلاميذ بالضحايا، والأسرة بالمؤسسة المنكوبة. وفي المقابل عليكم أن تكونوا متقنين لمهنتكم في جانبها الإداري: دفتر نصوص مضبوط، جذاذات معدة بإتقان، فروض في أوقاتها، إدخال النقط إلى مسار بانضباط، التزام بوقت العمل. أما ما له علاقة بالتلميذ داخل الفصل، فحولوه إلى علاقة بين ضحية وفاعل خير، للنجاة بأنفسكم من الأمراض التي لا تعد ولا تحصى. وإن لم تفعلوا، فعليكم أن تختاروا: إما المستشفى، وإما السجن. إن هؤلاء التلاميذ ليسوا قضية فئة، بل قضية أمة مغربية، وإن لم تتضافر جهود الجميع، فحرام أن تنتحر فئة بغباء نادر. إن المعركة ليست معركة وزارة، إنها معركة الإنسان من أجل الإنسان. اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد.
إرسال تعليق