U3F1ZWV6ZTQwMTExODUzOTU3MDM5X0ZyZWUyNTMwNjAyNTk4MjY3NQ==

أنا الحاوي

 



غادرتُ المنزل مسرعا، لحجز مقعد مريح في المقهى، يجعلني أتابع المباراة مستمتعا، أمام شاشة كبرى، تخرق قوانين الزمان والمكان، وتسافر بي إلى حيث الشغف والحماس، وكأنني حاضر في المدرجات، أشجع بأسلوب مبدع، فريقي المفضل: الوداد العالمي.


حين صنع متولي الهدف الرابع، قمتُ من مكاني، ودفعتُ المائدة بقوة. من حسن الحظ، أن لا كأس زجاجية على سطحها. لم أتمالك نفسي، ضربت أرضا قنينة ماء، ثم أخذت الثانية فارغة، تخيلت متولي هو ذات القنينة، ونشبتُ فيها أنيابي، ثم مزقتها. أردت إخماد بركان غضب نائم، لكي لا ينفجر، فيطلق حممه الهستيرية. شعرتُ وكأننا وقعنا في فخ الكاميرا الخفية. ظننا أن فريقنا تأهل، وفاض الفرح على محيانا، وفجأة، بلغت القلوب الحناجر، واسودت الوجوه.

بكيتُ بحرارة، وضعتُ وجهي بين كفي، وكأنني فقدت أعز ما في حياتي. ليلة السبت في شقتي، تكون ليلة حمراء على سنة الله ورسوله، لكنها اتشحت، بسوادي ليل حزين. زوجتي ودادية، تكره شراء النعناع الأخضر، وتكثر من شراء الطماطم الحمراء. لم تشتر يوما فلفلا أخضر، بل تكتفي بالأحمر فقط. طفلنا الصغير، رضع حب الوداد. كنا نعد لحفل بهيج، وتحول الحدث إلى مأثم. لم نتناول وجبة العشاء، نمنا مبكرا. صباحا، أخبرتني زوجتي، أنني كنت أبكي في أحلامي، وأردد: ديما وداد.

منعت نفسي من ولوج الفيسبوك، لا أحب سخرية الجراد من فريقي المفضل. اتصل بي صديقي، أستاذ جامعي. دعاني لاحتساء فنجان قهوة. اعتذرت له، وادّعيت أنني مريض بالزكام، أطلق قهقهة مدوية. صديقي، مجنون بحب الرجاء، وأعرف أنه يريد مجالستي، ليجعلني موضوعا للضحك. لم يبال بعذري، وقال متحمسا: بعد دقائق، سأصل بسيارتي، إلى باب العمارة. وإن لم تنزل "يا بوحمرون"، سأصعد ، وألقي القبض عليك.

جاهدت نفسي، لنسيان ليلة السبت، وصحبته إلى المقهى. وقعت مفاجأة، لم تكن في الحسبان. لم يسخر مني مطلقا، ولكنه اختار أن يتحدث بجدية، عن المباراة. ركز نظره في عيني، رفع فنجانه، وارتشف ما يخلط به، دخان سيجارته المحبوبة. لم أتكلم، أنتظر ماذا سيقول؟. كان يتحدث بهدوء وخشوع، كما لو أنه استقطب مناضلا، يؤطره في خلية سرية. ظل يردد بعزم وثقة: إنها ثورة الرجاء الثقافية. كنت أسمع مستغربا، قراءته لتيفو: "ROOM 101". اعتبر مشجعو الوداد أن معناه، لا يتجاوز أسوار ملعب محمد الخامس. لكن الأستاذ، راح يتحدث عن أولوية الثورة الثقافية على الثورة السياسية. فوجئت بهذا الخطاب، الذي لا علاقة له بجمهور الكرة. كان يدافع بقوة، عن قراءته السياسية لشعارات ألتراس الرجاء.

يتحدث عن أولوية الثورة الثقافية على الثورة السياسية

كنت خائفا، أن يجعلني موضوعا للضحك، فأصبح صديقي مثيرا للشفقة. كان يتحدث عن دلالة اختيار رواية جورج أورويل: "1984". قالها بصريح العبارة: إنها إدانة للنظام المخزني، الذي يعتقل مناضلي الريف ظلما وعدوانا. وما زاد من استغرابي، قوله: هي إدانة، لنظام بوليسي، سجن قلم الصحافي بوعشرين، وكمم صوت المهداوي. انزعجتُ كثيرا، من هذه القراءة الغبية، وسألته ساخرا: هل تناولت دواءك؟ ثم وضعت يدي على رأسه. لم يتراجع، عن رأيه، ظل مصرا على قوله: إن الرجاء، يحضر لثورة ثقافية كبرى، تنطلق من المغرب، وستحتضنها قناة الشرق، بقيادة معتز مطر، وستعم العالم العربي والإسلامي. قاطعته مازحا: الله يهديك، أسي المشماشي. الرجوع إلى الله. حملته مسؤولية ما يقول، وسألته بوضوح: هل ما تقوله صادر عن ألتراس الرجاء؟ وما الدليل على ذلك؟ صمت هنيهة، ثم طلب أن لا أقاطعه، والتمس الإنصات.

انطلق يروي حكاية غريبة. أخبرني أن ألتراس الرجاء، نظم ندوة فكرية سرية، جمع فيها مبدعين من داخل المغرب وخارجه. وكان موضوع الندوة، اختيار أفضل ما أبدعته البشرية في الأدب والرسم والسينما والموسيقى. وما تم اختياره، سيتحول إلى "تيفوهات". وقبل عرض الإبداع، يتوجب على مشجعي الرجاء، أن يستمتعوا بهذا الإبداع قراءة أو سماعا أو مشاهدة، في إطار ندوات نقاش داخلية. فاجأني صديقي المشماشي بقوله: إن رواية 1948، قرأها كل مشجعي الرجاء في العالم، وتدارسوها في ما بينهم.

اضطررت مرة أخرى، أن أسأله السؤال نفسه: هل شربت دواءك؟ ووضعت يدي على صدره. لم يهتز لسخريتي، وقال بثقة: أعرفك أنك لن تصدق، ولكن صدق أو لا تصدق. أنا حضرت هذه الندوة، وأخبرك من الآن، أن موضوع التيفو المقبل، هو: صورة للشاعر السوري محمد الماغوط، وبجواره عنوان قصيدته: "أنا الحاوي". ابتسمت، ورفعت يدي إلى السماء قائلا: سترك يا رب، اللهم ألهم "الوينرز" ردا موفقا.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة